ابن قيم الجوزية

289

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

مخالف لا يقبل اللّه منه صرفا ولا عدلا ، بل حبهم سنة والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة وخير الأمة بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أبو بكر وعمر بعد أبي بكر وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان ووقف قوم على عثمان ، وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس ، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم ولا أن يطعن على واحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ، ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يرجع . ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ونحبهم لحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإن حبهم إيمان وبغضهم نفاق ولا نقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضل فإن قولهم بدعة ، ومن حرم المكاسب والتجارات وطلب المال من وجهه فقد جهل وأخطأ وخالف بل المكاسب من وجوهها خلال قد أحلها اللّه عز وجل ورسوله فالرجل ينبغي له أن يسعى على نفسه وعياله من فضل ربه فإن ترك ذلك على أنه لا يرى الكسب فهو مخالف ، والدين إنما هو كتاب اللّه عز وجل وآثار وسنن وروايات صحاح عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة يصدق بعضها بعضا حتى ينتهي ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدى بهم المتمسكين بالسنة والمتعلقين بالآثار ولا يعرفون ببدعة ولا يطعن فيهم بكذب ولا يرمون بخلاف إلى أن قال فهذه الأقاويل التي وصفت مذاهب أهل السنة والجماعة والأثر وأصحاب الروايات وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث وتعلمنا منهم السنن وكانوا أئمة معروفين ثقات أهل صدق وأمانة يقتدى بهم ويؤخذ عنهم ولم يكونوا أهل بدعة ولا خلاف ولا تخليط وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم فتمسكوا بذلك وتعلموه وعلموه * قلت حرب هذا صاحب أحمد وإسحاق وله عنهما مسائل جليلة وأخذ عن سعيد بن منصور وعبد اللّه بن الزبير الحميدي وهذه الطبقة وقد حكى هذه المذاهب عنهم واتفاقهم عليها * ومن تأمل المنقول عن هؤلاء وأضعاف أضعافهم من أئمة السنة والحديث وجده مطابقا لما نقله حرب ولو تتبعناه لكان بمقدار هذا الكتاب مرارا وقد جمعت منه في مسئلة علو الرب تعالى على خلقه واستوائه على عرشه وحدها سفرا متوسطا فهذا مذهب المستحقين لهذه البشرى